أيّها السّادة... لا أزال أذكر تلك السّويعات التي رماني فيها القدر بين أحضان الوجود , حيث كان ميلادي يعلن في الآفاق أن فكرة جديدة سيبزغ فجرها عمّا قريب. وُلدت في زمن الحرب كي يعلم الجميع أن ذاك اليوم سيبقى محفورا في جدار القدر , ومن العلياء اشتققت اسمي , ووسط مجاهل الحياة شققتُ دربي . كانت سنواتي الأولي مزيجا من الضباب والأوهام , وكانت الطموحات الخيّاليّة تسدّ أفق النّظر , بل كنت أرى العالم أمامي مُختصرا في بضع كلمات نُسجت من خيوطٍ حريريّة.
عاد القدر ثانية حافلا بما خبّأه زمن الغياب , طارحا عليّ سيلا من الرّؤى المتدفّقة , لا تجد لها في عالم الحقيقة مستقرّا , وكان لزاما عليّ أن أمهّد لها آمالي لاستقبالها أحرّ استقبال , فكانت سنوات عمري الثانية مهادا أستقي منه آلامي وآمالي.
ومضى الوقت سريعا كسحابة صيف سرعان ما أفرغت حمولتها وعادت صوب الجنوب لاهثة لتُحتضر بين ثنايا الريح العاتية, مضى الوقت ولا زالت آفاقي رحبة تزداد اتّساعا يوما بعد يوم , ولا تجد من يوقفها أو يحدّ من هجومها الطائش.
وفي ربيع العمر الأوّل جمعني القدر الخيّاليّ مع كلمات تلك الصبيّة التي لم أكن بعد قد رأيتها , والحق أقول أنني رأيت فيها ما حرمتني منه الحياة , رأيت فيها الجنون الذي يبحث عنه عقلي, لمحت فيها الضّجة التي يريدها هدوئي , أبصرت فيها النغمة التي تتمنّاها قيثارتي . كانت تجمع في حروفها أشياء غريبة , تجعلها تفيض تارة بالرومنسيّة الناعمة وأخرى بالعبقريّة المنسيّة . بقيت أحن الى كلامها ردحا من الزمن , أعيش على هامش أوهامي , آملا أن تجمعني الحياة بها يوما... وكأنّ الحياة كانت تسمع نداء القلب المحطّم , وكأنها رقّت لحالي , وعلى جناح السرعة لبّت النداء من أعماقها , وأسرّت في أذني أن موعد اللقاء قريب.
وجاء الوعد سريعا دون تلكّؤ , وكأنّ الحياة قد سيّرت أهواء تلك الصبيّة الطّائشة لتجمعني بها دون موعد , وكم من صدفة خير من ألف ميعاد ... رأيتها أول مرّة ... فكانت صورتها المرسومة في خاطرتي لم تتغير , وكأن القدر قد هيّأ لي صورتها وألقاها قسرا عليها فجاءت أبهى مما كنت اظنّ, ولو تعلمون ، أيها السادة، متى رأيتها وكيف وأين؟
إنّكم أيها السّادة تستغربون كلامي, فلربما تظنونني شاعرا كبتته الأحاسيس , أو فيلسوفا أسرته الحكمة , أوكاتبا يبحث في خضمّ الجمال التائه , ولكن صدّقوني، إن من يعيش تلك اللحظات الآسرة التي تتلاقى فيها أحلام الشباب بعذوبة الحياة , يشعر أن الزمان يكاد يُختصر في تلك الطائشة الهادئة , يشعر أن الكلمات تكاد تتكسّر على أعتاب وصفها , يشعر أن اللغة لم تعد تنفع , فدقّات القلب , ودقائق الصمت تملكان أحيانا أصدق تعبير , وأروع عاطفة.
إن تلك الحياة التي جمعتني بالفتاة التي أحبّها قلبي دون أن أراها , هي نفسها التي كانت تخفي عنّي أسرارا أليمة , حيث رمت على دربي فتاة جديدة , أحبّت أن تقتحم حجرة الصمت , وتبدّد ما علق من أدران الخوف . كانت تلك الفتاة جديدة في كل تفاصيها , ولا أستطيع أن أصفها إلا بأنها كانت غريبة في كل شيء, غريبة في طيشها , غريبة في كلامها , غريبة في إرادتها التي كانت تسلبني إرادتي , ولكن ذاك الشعور الأولي الذي كوّنته الصبيّة الأولى كان يرافقني في كل خطواتي , يُرغمني أن لا أغامر مع غيرها , وكان صوتها يدوّي في أعماقي , ينتهرني بشدّة ... ولكن الحياة تفعل المستحيل , كيف لها وهي خلقت من المستحيل. كان خبر خطوبتها يؤرّقني ,حاولت مرارا أن أقتنع بأن زجاج الحب قد انكسر بيننا ولا سبيل إلى ترميم الزجاج , ولكن ايها السادة ، هل يستطيع المرء نسيان حبّه الاول ؟؟؟
حاولت ان أقتنع وان أبتعد خصوصا بعدما رأيت بصيص الأمل يخفت شيئا فشيئا ,يكاد ضوؤه ينحسر وينطفئ , إن كل حضارات الأرض تنمو على الأمل بالحياة , وتندحر حينما يُفقد الأمل . إن الورود الجميلة يفوح عطرها في الأرجاء حينما تتباهى بأمل البقاء , ولكن حينما يأخذ القدر منها الأمل نراها تودّع قطرات الصباح , فنرى نسمات الصبا ترشف حبّات الندى باكية منتحبة على الأمل الذي ضاع . إن الام تفتح ذراعيها حينما ترى وحيدها يقفز أمامها , ولكن بعد أن يتدخل الزمن ليستلم أمانته , نرى أمّه ميّتة في ثوب حياة . فهل يكون لي أمل معها بعدما كانت السماء شاهدة على ذلك العقدالذي جمع بين قلبها وقلب رجل آخر , هل يستطيع مثلي ،أيها السادة ، أن ينقض ذلك الرباط المقدّس من أجل حب ربما يكون من خيط واحد؟؟
حاولت أن أنسى وأبدأ حياتي من جديد , ووجدت نفسي مقذوفا بين ذراعي تلك الفتاة , التي مدّت لي يدها , معلنة على الملأ أنها على استعداد تام لتكون شريكة حياتي المصيريّة , وكرّست حياتي مُخلصا لها بعدما رأيت دموعها البلّوريّة التي كانت تفعل في داخلي ما لا يفعله ألف مدفع ... ولكني لا أزال أحنّ إلى فتاتي الأولى, فماذا أفعل.. لست أدري؟؟؟
إن الحياة التي تُرينا أحيانا دموع الحزن , فإنها تملك في وجهها الآخر دموع الفرح .وشاء القدر أن يحيط حياتي بسلسلة من الخلافات الطويلة , فقد كنت اُكنّ كل الإحترام لفتاتي الجديدة , ولكنها موجودة لزمان غير زماني ,إتّفقت معها على أن نختلف , أسعدتني طويلا , ولكني لم أملك فرصة كافية لأسعدها , ربما لأننا نختلف كثيرا عن بعضنا .. وربما لأسباب أخرى محفوظة في سجلّ الزمن... ودّعتها متمنّيا لها كل السعادة والتوفيق , ودعوت لها الله أن يسيّر لها الشاب الذي يُسعدها والذي يستطيع أن يحتفظ ببحار الحب الهادئ الذي يعيش في جوفها... ودّعتها وفي القلب لها بعض الذكريات , ولربّما آلمني في البداية أن أتركها وحيدة ,ولكن هذا هو القدر.
ما أروع تلك الحياة التي تخطط لنا في غيابنا , والتي ترسم هالة المستقبل وتلقي به إلينا ... شاء القدر أن أبقى وحيدا من جديد , أتجرّع من كأس الصمت الذي اعتدت عليه طويلا , ولكن هذا الصمت سرعان ما استحال كلاما غريبا , حينما أسرّت لي فتاتي الاولى بخبر اعتزالها مسرح الزّوجيّة.. أيُعقل هذا؟؟؟ ما أغربه؟؟
إنّ القدر الذي رماني أول مرّة في أحضان الوجود , قادر أن يرمني من جديد في أحضان تلك الفتاة التي أحبّها قلبي في سنواته الأولى , وكأن تلك الأحلام التي كتبتها على خارطة المستقبل قد عادت حيّة منتصبة أمامي . تكلّمت معها , حيث كنت أزرع في كلامي بذور المودّة , والتي سرعان ما أينعت وكبرت وغدت رباطا يجمع بيني وبينها... واتّفقنا على المسير جنبا الى جنب ...
ما أغرب الحياة, أحيانا أيها السادة ، أشعر أن للحياة حكما لا نعلمها , وكأنها تريد أن تحرمنا من أحبابنا أول الامر , لنعود إليهم ثانية , وفي قلوبنا حنين أكبر , وأحاسيس أجمل .











من المغرب